الرئيسية | بنك الدعوة | هذه سبيلي | الدعوة وعلو الهمة

الدعوة وعلو الهمة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

الدعوة وعلو الهمة

 أخي الفاضل، لقد شرفك الله تعالى لتأخذ بأيدي إخوانك للسير بهم في درب الدعاة، وحسبك أن تخلص النيّة وتحسن العمل؛ لتكسب الأجر الوفير بهداية إخوانك، فقد قال صلى الله عليه وسلم: "لئن يهدي الله بك رجلا واحد خير لك من أن يكون حمر النعم" رواه البخاري

تزكية الهمّة ... الركيزة الأولى:

فلتكن بداية الطريق مع الناشئين الجدد في طريق الدعوة هي تزكية الهمة وإثارة الحماسة حتى تكون زادا لهم عند مواجهة المصاعب والعقبات في طريق الدعوة الشائك، وذلك لأن تردد الملتزمين حديثا ينبع من شعورهم بالضعف؛ نتيجة عدم ثباتهم، وتغيير حياتهم، ونظرة الناس إليهم، وعدم تمكنهم من مبادئ العلم الشرعي، وكل ذلك نتيجة عدم ثقتهم بأنفسهم، الثقة القويّة التي تدفعهم إلى درب الدعوة.

بينما نتعلم من قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه حين أسلم لم يكن يعرف عن الإسلام إلا النطق بالشهادتين، ولكن ما أن نطق بها حتى بادر بمبادرة لم يستطع أيّ من المسلمين من قبله أن يخطوها، فكان عمر من أعز الله به الإسلام! وشجاعته انطلقت من اقتناعه وإيمانه العميق، وثقته الكبيرة بنفسه، وقناعته أنه على الطريق المستقيم، فممن يخاف؟! ولم التردد؟ والعز كل العز بإيماننا وإسلامنا! لذا علينا أن ننطلق لدعوتنا هاتفين:
قد نهضنا للمعالي ومضى عنا الجمود ... ورسمناها خطىً للعزَّ والنصر تقود
فتقدم يا أخا الإسلام قد سار الجنـود ... ومضوا للمجد إن المجد بالعزم يعود

وتكون تزكيّة الهمّة لرفع الروح المعنوية والنفسية بثلاثة خطوات:

• 
تدبر الآيات القرآنية وسيرة الرسول عليه الصلاة والسلام.

• 
قراءة سيرة الصحابة والتابعين.

• 
قراءة بعض كتب التنمية البشرية.

وأنصحك بكتاب يضم هذه الجوانب الثلاثة، وهو (علوُ الهِمَّة) للشيخ محمد بن أحمد بن إسماعيل المقدم عفا الله عنه، وهو كتاب قيّم وشيق لا يكاد قارئ يقرأه إلا وقد ارتقى بهمته، وصح فهمه لقيمة الحياة، وعظم في قلبه واجب نصر الأمة في شتى المجالات.

وبعد أخي الفاضل، أستعرض وإياك عددا من النقاط لإكمال الإجابة على تساؤلك:

إن الأسباب الرئيسية بعد ضعف الثقة بالنفس للمسلم الملتزم الذي لا تلهبه الحماسة لسلك طريق الدعوة، ويغلب عليه التردد لضعف التزامه هي:

• عدم معرفته بفرضية الدعوة:

 
ولذا عليك أن توضح لهم أن الدعوة فرض على كل مسلم، في كل وقت وزمان، وذلك لقوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)، ومعنى ذلك أن الدعوة واجبة على الأنبياء المرسلين ومن تبعهم، لكن هذه الخصوصية للأمة الإسلامية وحدها، شرفها الله تعالى بها دون الأمم كونها هي خير الأمم التي كلفها الله تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقوله تعالى في موضع آخر: (وَلْتَكُن مِّنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). فإن لم يقوموا بهذا الفرض فمن سيقوم به؟ ومن سيحمل رسالة الإسلام ويبلغها للعالمين؟ وماذا سيجيبون الله تعالى عندما يُسألون عنها؟

• عدم التمكن من منهج الدعوة إلى سبيل الله تعالى ومنبعهما القرآن والسنة:

 
فإن للدعوة إلى سبيل الله منهج وفقه، لمعرفة استخدام الوسائل، واستدراك العقبات في طريق الدعوة، والتبصر في الشبهات لتجاوزها بسلام، ودون ذلك يكون التخبط والفتور والأخطاء التي غالبا ما تورث الآثام بدلا من حصد الخيرات، والتساقط السريع يكون محصلة الجهل والتسرع في كثير الأحيان؛ لذا وجب عليك أن لا تستعجل عليهم في التقدم لحمل أمور دعوية قد تراها أنت بسيطة، لكنها تحتاج مزيدا من الفهم والعلم والوعي. بل ليكن إرشادك مخططا، وعن معرفة بإمكانيات كل منهم وقدراته، ويا حبذا لو تدارست معهم بعض الكتب التي تتناول فقه الدعوة، ووسائله، وعقباته مثل: رسائل العين، المنطلق، المسار، العوائق.

• عدم وجود رصيد إيماني وروحاني:

إن الفرائض والنوافل طريق لتزكية النفوس، فالصلاة تنهى عن المنكر، والصدقة تطهر النفوس من الذنوب والشوائب، والصيام يورث التقوى، وبالحج يعيش المسلم دون رفث ولا فسوق، ويعود كما ولدته أمه طاهرا طيبا؛ لذا عليك حثهم على القيام بالفروض بوقتها والاستزادة بالنوافل قدر المستطاع، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، وإن تقصيرهم سينعكس على دعوتهم مباشرة، فالعلاقة بين الدعوة والزاد الإيماني والروحاني علاقة طردية، كلما زادت العبادات وارتقت الإيمانيات أثمرت الدعوة وحَسُن القيام بمسئولياتها وواجباتها.

• عدم المطالعة والتفقه في الدين:

فلا يصح أن يقف المسلم عند أول لحظة هداية، ويكتفي بصلاته ومعرفته ببعض القصص والأحاديث وحفظه للسور القصار، إنما يجب أن يرتقي بنفسه من خلال المطالعة الدائمة لأمهات الكتب بشكل فردي وجماعي، ودون ذلك ستضمحل ثقافته، ولن يملك في جعبته شيئا ليدعو الناس إليه.

ونقطة أخرى أريد التركيز عليها، هي حب الدعوة، أجل حبها، بل عشقها، ومتى اشتعل هذا الحب بالقلب، كان من الصعب أن ينطفىء نوره الرباني، وقد تركت هذه الكلمات للنهاية رغم أني أجد أنها هي مفتاح الدخول إلى قلوب هؤلاء الناشئة الملتزمين حديثا، فما يميزهم أن قلوبهم نقيّة، فما أجمل البدايات؟ وما أحلاها تلك اللحظات التي يقبل فيها المسلم على ربه رجاءا وطمعا في مغفرته ورضوانه؟.

لذا قم بفتح باب العمل لخدمة دين الله بتحريك مشاعرهم تجاه الدعوة، واغرس فيهم حبها، وأحي في نفوسهم فضائلها.

يجب أن نتعامل مع الناس بحب كما مع علاقتنا بالله سبحانه وتعالى، يا هل ترى لو نظر كل منا إلى الناس بنظرة حب فكيف سيلتفت ويدير ظهره عندما يرى منهم منكرا؟ إذا رأى أيٌ منا أخاه أو قريبه يسقط بحفرة هل سيبقى ينظر إليه من بعيد؟ ألن يدفعه حبه وخوفه عليه للتحرك سريعا حتى وإن كان ضعيفا في قدراته ولا يقدر على إنقاذه؟! لما لا نتعلم من خُلق الرسول عليه الصلاة والسلام تجاه الناس خلال دعوته لهم بقلبه الرحيم،س ورقته في تعامله مع الناس حتى مع أعدائه؟!

نريد أن نجعل الحب الصادق والطاهر أساس تعاملاتنا كلها: مع علاقتنا بالله سبحانه وتعالى، مع الناس، مع الأهل، مع الأصدقاء، مع العلم، مع العمل، ومع الدعوة.

وهذه بعض الأفكار لما يمكن عمله لجذب هؤلاء الشباب إلى العمل الدعوي:

• 
مشاريع تطوعية تخدم المجتمع، مع ربطها بمعناها الديني وما جاءت به الشريعة الإسلامية مثل: زيارة الأيتام، زيارة المرضى، تقديم المساعدة للمحتاجين ... إلخ.

• 
إنشاء حلقة ذكر وقرآن لهم، يقوم عليها داعية متمكن يعلم القرآن ويحفظه، ويركز في كل لقاء على صيغة ذكر ويتطرق إلى أجرها وفضلها ومعانيها.

• 
متابعتك الشخصية لهم بالزيارة والسؤال عن أحوالهم، ومشاركتهم بالحياة اليومية، وقضاء وقت ممتع سويا، كذلك أقترح عليك أن تعرفهم على أصدقاء ملتزمين من معارفك الثقات ليندمجوا في بيئة تدفعهم للتحرك والعمل.

• 
الخروج برحلات تخطط لها برنامجا دعويا، ولا تحضرهم لذلك إنما تتركها مفاجأة وكأنها غير مرتبة مسبقا. كأن ترتب مع مجموعة أطفال صغار، وتطلب من كل منهم أن يحفظهم سور قرآنية قصيرة، بهذا سيشعرون أنهم أنجزوا شيء، وأنهم أهل للقيام بالدعوة، وذلك سيعزز ثقتهم بأنفسهم، ويدفعهم للعمل والانتساب لرهط الدعاة من فرحتهم بإنجازهم.

• 
إذا كنت تعمل في إطار دعوي منظم، يمكنك أن تكلفهم كلٌ حسب إمكانياته وقدراته بمهمة معينة، فمن يتقن الكتابة تطلب منه أن يكتب موضوعا، ثم تطبعه وتوزعه في محيطك، وتخبره تباعا كم نال ذلك إعجاب الناس وأثر فيهم، أو تطلب ممن يملك مهارة الرسم أن يزين المسجد بكتابات ورسومات فيها الفائدة، وأي مهمة صغيرة ستجعلهم في سلك الدعوة بطريقة غير مباشرة، ثم تكون البداية والارتقاء التدريجي.

• 
الأشرطة والهدايا طريق للوصول إليهم، اكتب لهم بطاقات وأعطهم إياها، وقل لهم أنك تجد فيهم شباب الأمة ومستقبلها المشرق، فذلك كان أسلوب الرسول عليه الصلاة والسلام في دعوته مع الصحابة رضوان الله عليهم. كان ينادي الشاعر بلقبه أمام الناس، ليعزز ثقته بنفسه، ومتى وجد الإنسان منا محيطا يحترمه ويقدره ويحبه ويدفعه للإمام، لا يستطيع إلا أن يحافظ على صحبتهم ويطور نفسه في محيطهم.

إذن الحل يكمن في هذه المحاور:

• 
وطد علاقتك بهم، وعاملهم بكل حب وتقدير، وعزز ثقتهم بأنفسهم وزكي همتهم.

• 
اعمل على أن تشركهم في أعمال تربوية؛ لترتقي بإيمانهم وثقافتهم.

• 
أشركهم في الأعمال الخيرية بمشاريع يمكنك أن تخطط لها مثل: جمع الملابس، توزيع أشرطة فيها الفائدة، توزيع كتب، تحفيظ القرآن للأطفال، المشاركة بمعسكرات للشبيبة بتطوع، مشروع تنظيف في المحيط السكني القريب منكم، زيارة الأيتام، زيارة المسنين، وغير ذلك من الأنشطة.

وفي النهاية لا أجد غير الدعاء بأن يوفقك الله سبحانه وتعالى لتأخذ بأيدي إخوانك للدعوة إلى سبيل الله، وأحثك على أن تجعلهم كأبنائك أو إخوانك، وستجد من بينهم قدوات صالحة إن شاء الله تعالى؛ ليكونوا في ميزان حسناتك يوم لا ينفع مال ولا بنون، وأسعد بسماع أخبارك الطيبّة دائما.

ومن المفيد - أخي الكريم - في هذا المقام أن تعتني بالتركيز معهم على ذكر فضائل الدعوة إلى الله تعالى، وما يفوز به المرء من جزيل الثواب نتيجة قيامه بدعوة الآخرين، فذكر فضائل الأعمال بطريقة مشوقة ومثيرة من الأمور التي تنشط الإنسان، وتدفعه إلى السعي والجدِّ والحرص على أداء هذه الأعمال كي يفوز بثوابها، وقد قيل قديما: "من لمح نور الأجر هان عليه ظلام التكليف".

ومن فضائل الدعوة إلى الله:

دخول القائم بها تحت مظلة قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ  ْمُسْلِمِينَ

وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أبدع بي فاحملني، فقال: "ما عندي"، فقال رجل: يا رسول الله أنا أدله على من يحمله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" رواه مسلم، فالداعي إلى الخير يحسب له من الأجر عند الله تعالى مثل أجر من يدله على فعل الخير.

وعن سهل بن سعد رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ".. فوالله لأن يهدى الله بك رجل واحد خير لك من حمر النعم" رواه البخاري.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة، كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" رواه مسلم

إلى غير ذلك من فضائل الدعوة إلى الله التي يصعب حصرها في هذا المقام، والتي نرجو أن تكون حافزا لهم – إن شاء الله تعالى – على دعوة الآخرين إلى كل خير.

تقبل الله حرصك على أن يشارك الجميع في نشر دعوة الخير

التعليقات (0 مرسل):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
Powered by Vivvo CMS v4.1.1