Jadded جدد حياتك: جزاء من نزعت من قلبه الرحمة جزاء من نزعت من قلبه الرحمة ================================================================================ nawwaf bawazir on 06/10/2009 09:49:00 جزاء من نزعت من قلبه الرحمة الأستاذ الدكتور/ عبد الغني بركة أستاذ بجامعة الأزهر روى مسلم رضي الله عنه في صحيحه، عن عبدالله، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "عُذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. الإسلام دين الرحمة والتراحم، بل أن القرآن الكريم يجعل الغاية من إرسال نبينا صلى الله عليه وسلم مقصورة على تحقيق الرحمة للعالمين، يقول الله تعالى مخاطباً نبيه: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" فكان جوهر الرسالة وغايتها تحقيق الرحمة، وتعميقها في القلوب، حتى تشمل الكون كله بمن فيه وما فيه، والرسول الكريم في هذا الحديث الشريف يخبرنا –وهو الذي لا ينطق عن الهوى- عن مصير امرأة نزعت الرحمة من قلبها، فأصبحت لا ترق لمتألم، ولا يخفف من غلظتها وقساوة قلبها أن ترى حياً يعاني سكرات الموت، ويستجدي شربة ماء تخفف ألمه، وتنقذ حياته، فلا يحرك ذلك في قلبها من الرحمة شيئاً، ولا يوقظ شعوراً، بل ربما وجدت في هذا المشهد الذي يحرك الجماد، ما يسعد نفسها، فهي لم تر هذا المشهد الذي يستدر الرحمة من أقسى القلوب فقط، ولكنها فوق ذلك هي التي صنعته بإرادتها، إذ سجنت قطة، وتركتها في محبسها تعاني ما تعاني أمام عينيها، حتى لفظت أنفاسها الأخيرة، وكان حقاً وجزاءً وفاقاً لهذه الجريمة، أنه تعذب المرأة وتدخل النار، فمن لا يرحم لا يرحم. والمتأمل في نص الحديث الشريف يرى أنه يتكون من جزأين، الجزء الأول إخبار عما صنعته تلك المرأة بهذا الحيوان الوديع الأليف، وبيان لما أعد لها من عقوبة، أما الجزء الثاني فهو تبرير لقسوة العقوبة التي أعدت للمرأة، ببيان مفصل يوحي بما في قلبها من شر وقسوة، لا يكافئها إلا التعذيب بالنار. يقول عليه السلام: "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت، فدخلت فيها النار" وألفاظ النص النبوي قد صيغت بعناية لتعبر عن المراد، وأول ذلك اختيار صيغة الماضي في التعبير عن عقوبة المرأة، في قوله "عذبت امرأة" وقوله "دخلت النار" والمعروف أن ذلك سيكون يوم الحساب في الآخرة، لكن اختيار صيغة الماضي دون المستقبل كما هو الأصل، لتأكيد الخبر، ذلك أن الماضي إنما يعبر به عن شيء قد حدث فعلاً، ولا سبيل إلى الشك فيما قد حدث، ومن هنا كانت بلاغة التعبير بالماضي، فكأن العقاب قد وقع بالمرأة فعلاً فهو يخبر عنه. أما قوله عليه السلام "سجنتها حتى ماتت" فهذا يعني أن الهرة لم تمت فور حبسها، لكنها بقيت على قيد الحياة، تعاني الجوع والعطش، وتئن وتستجدي من ينقذها، وأن حيويتها ظلت تتلاشى شيئاً فشيئاً حتى ماتت، كل ذلك على مرأى ومسمع من تلك الشريرة، التي لم تستشعر إثماً، ولم يحرك ذلك في قلبها ساكناً من عطف أو شفقة، وهذا يوحي بأن ما في قلب المرأة من شر قد استحكم، وأغلق كل باب يمكن أن ينفذ منه بصيص خير، أما قوله عليه السلام: "فدخلت فيها النار" فهو يعني أن دخولها النار إنما كان بسبب ما صنعته بالهرة، ولا مجال للقول بأنها كانت كافرة فدخلت النار، كما ذهب إليه البعض، فإن نص الحديث واضح في أن العقوبة كانت جزاء الجريمة محددة، وهي ما صنعته المرأة بالهرة. ننتقل إلى الجزء الثاني من الحديث، وهو قوله عليه السلام: "لا هي أطعمتها وسقتها إذ هي حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" وهذا الجزء من الحديث الشريف يعدد جرائم هذه المرأة فقد سجنتها، وكأن القطة مجرم حكم عليه بسلب حريته ولم تكتف بذلك بل منعت عنها مقومات الحياة، فلم تطعمها ولم تسقها في محبسها، ولم تتحرك عاطفة الرحمة في قلبها فتطلق سراحها، لتأكل مما في الأرض من هوام وحشرات، وبذلك تكون العقوبة الشديدة التي أعدت للمرأة مبررة، وتمثل عدل الله، الذي يغار على مخلوقاته وينتقم ممن يسيء إلى أي منها، مهمات عظم قدره أو صغر. هذا وفي الحديث الشريف تحذير قوي، وترهيب شديد لكل من تزين له قوته وسطوته، أن يبطش بمن تحت يديه من الضعفاء، الذين لا يستطيعون دفع الشر عن أنفسهم. فإذا كان هذا الجزاء الرادع قد ترتب على إيذاء حيوان، فما بالنا بعقوبة من يؤذي إنساناً كرمه الله. كتاب : لمحات من هدي النبي صلي الله عليه وسلم وبلاغته