الرسول وبناء مجتمع الزراعة والصناعة والإدارة

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

الرسول وبناء مجتمع الزراعة والصناعة والإدارة

 

مثلث توجيهات الرسول سنته القولية والفعلية والتقريرية ، وهذة السنة الشريفة شجعت الأعمال اليدوية بوضوح تام ولهذا وجدنا فى معظم كتب الحديث أبوابا تتحدث عن الكسب والأعمال اليدوية كعبادة غائية ، وقلما نتذكر أن هذة الاقوال الصادرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انما تمثل تحولا جديدا وتغييرا جذريا لتلك المفاهيم السائدة التى كانت تحتقر الأعمال اليدوية فى المجتمع العربى قبل الاسلام ...

لقد وضع البخارى فى صحيحه بابا سماه " باب كسب الرجل من عمل يده " ، ووضع ابن ماجة فى سننه " بابا فى الحث على المكاسب ، وبابا فى الصناعات " ، وفى سنن الدارمى هناك باب يسمى " باب فى الكسب وعمل الرجل بيده " .

وهكذا واجه الرسول صلى الله عليه وسلمبقوة – نزعات الاحتقار للأعمال اليدوية التى كانت سائدة – بدرجة كبير – فى مجتمع الجزيرة العربية قبل الاسلام .

ولقد كان هو نفسه عليه السلام يعمل بيده الشريفه مع أصحابه ، فقد عمل مع أصحابه فى بناء مسجد قباء ، وفى بناء مسجده الشريف فى المدينة المنورة ، وفى غزوة الخندق كان يعمل فى الحفر أكثر مما يعمل الأفراد العاديون ، وكثيرا ما وجه الرسول أصحابه الى الحقيقة التى تؤكد الى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وهم أئمة الدنيا كانوا يقومون ببعض الحرف للكسب والتعفف ويحترفون لأنفسهم ، ولا يقبلون أن يكونوا عالة على غيرهم ، قال صلى الله عليه وسلم : " ما بعث الله نبيا الا رعى الغنم ، قال له أصحابه : وأنت يا رسول الله ؟ قال : وأنا كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط – يعنى كل شاه بقيراط " .

وقد روى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال : " ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وأن نبى الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده .

كما روى عن أبى هريرة رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان زكريا نجارا " .

وهكذا نرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان دائما يضرب الأمثال للصحابة بالأنبياء عليهم السلام ، وأنهم كانوا يحترفون لأنفسهم ، ويطلبون العيش عن طر يق بعض الحرف أو الصناعات اليدوية دون أن يأنفوا من ذلك .

ولم تكن المرأة المسلمة بعيدة عن هذة الأعمال الحرفية فى مجتمع المدينة الذى بناه الرسول عليه السلام .

وتعد كعيبة بنت سعد الأسلمية نموذجا للمرأة المسلمة ، فكعيبة بايعت بعد الهجرة ، وقد شهدت خيبر مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد أقامت لها فى مسجد الرسول خيمة تداوى فيها المرضى والجرحى ، وكان سعد بن معاذ حين رمى يوم الخندق عندها تداوى جرحة حتى مات ، وبديهى أن هذا كان بأذن من رسول الله .

ومن الجدير بالذكر انه عندما دخل الرسول صلى الله عليه وسلم المدينة المنورة " يثرب " وجدها بلدا زراعية بالدرجة الأولى ، بينما سيطر اليهود على حركة التجارة والأسواق ، وفى المقابل كان المهاجرون تجارا ، وليسوا زراعا ، فكان لابد لهم من منافسة اليهود فى النواحى التجارية ، ولهذا فعندما أحس الرسول صلى الله عليه وسلم بمعاناة المهاجرين ، وسيطرة اليهود على التجارة فى المدينة عن طريق سيطرتهم على سوق بنى قينقاع – قام صلى الله عليه وسلم – بانشاء سوق خاص بالمسلمين فى موضع سوق المدينة ، ثم قال للمسلمين : هذا سوقكم ، فلا ينقص منه أولا يضيق، ولا يؤخذ فيه خراج ، وكان اختياره صلى الله عليه وسلم لهذا السوق موفقا ، حيث كان موضعه بمثابة المدخل للمدينة للقادمين من الشام أو مكة أو اليمن وغيرها ، مما جعل للسوق الاسلامى السبق فى تلقى الوفود والتجار ، حال وصولهم الى المدينة .

ومن ناحية أخرى أرسى صلى الله عليه وسلم قواعد كثيرة من وظائف الادارة ، مثل التخصص ، وتقسيم العمل ، والامركزية ، وكان يوجه النصح الى كل من يلى للمسلمين عملا ، وقد بدأت تظهر فى الدولة الاسلامية بعض الوظائف الادارية ، كما بدأت تتحدد قواعدها ، وأساليب عملها ، وعلى أساس احترام العدل والشورى والمبادئ الاسلامية العامة .

وليس ثمة ناحية من النواحى الا وللرسول صلى الله عليه وسلم فيها توجيهات قولية وفعلية وتقريرية ، بحيث أنه صلى الله عليه وسلم قد قدم من خلال اقامته لكيان " دولة الاسلام فى المدينة " النموذج الأمثل للدولة الاسلامية التى تواجه الأوضاع المتخلفة والظالمة بالبدائل الحضارية وبالبناء والعدل وليس بالتركيز على النقد والهدم وبالعمل المصاحب للفكر ، مما جعل " دولة المدينة " هى النموذج الأمثل ، والمقياس الذى يقاس عليه للدولة الاسلامية فى التاريخ الاسلامى .

ومن هذة المسيرة العملية يستخلص الاقتصاديون المعاصرون بعض القواعد الاقتصادية النظرية التى يستند اليها النظام الاقتصادى الاسلامى الذى أقامه الرسول فى عقول المسلمين وفى حركة الحياة ، مشيرين الى أن هذا الأساس النظرى الاقتصادى الاسلامى يتضمن أكثر من نظرية علمية منبثقة من آيات القرآن الكريم ، والحديث الشريف .

ويرى هؤلاء الاقتصاديون أن المبادئ الأساسية المستخلصة من البناء الاقتصادى العلمى الذى أقامه الرسول يتلخص فى المبادئ التالية : أولا : نظرية دورة الانفاق الخيرة . وهى تطبق فى أوقات الرخاء والكساد معا " فلا جمود ولا توقف ولا احتكار ولا ربا " .

ثانيا : الحد من أرباح الوساطة ، وتحريم الربا والاستغلال بصفة عامة .

ثالثا : الملكية الخاصة وظيفة اجتماعية وليست حقا مقدسا . ولا يجوز أن تنفصل عن العمل لتصبح أداة لاستغلال عمل الغير .

رابعا : اقامة مجتمع السواسية والمقاسمة المقنعة والطوعية فى الأموال والخيرات .

وهكذا أقام الرسول مجتمعا مؤمنا ملتزما له فكره الاقتصادى المربوط بقواعد الايمان والقائم على الاقتناع الداخلى الذى يصل حد الكافية والزهد والاستعلاء ، ويقدم أروع صور التكافل الاجتماعى القائم على الحب والاخاء والايثار .

ولم يكتف الرسول بهذا البناء الاقتصادى القائم على التكافل ، بل عمل على بناء الانسان جسدا كما بناه عقلا وروحا وفكرا .. ولهذا أمر بالرياضة ولا سيما الرمى وحث على القوة وفضل المؤمن القوى على المؤمن الضعيف ، ووجه الى علمى الوقاية والعلاج ، وعلم المسلمين أن لكل داء دواء الا الهرم ، فعليهم أن يعملوا على الحفاظ على صحتهم والعلاج اذا مرضوا .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حديث رواه البخارى وابن ماجة رحمهما الله : " ما أنزل الله داء الا أنزل به شفاء " ، ومعنى هذا التوجيه أنه ليس هناك من مرض الا وقد خلق الله تعالى له دواء وشفاء ، وليس هناك أى قول آخر يشجع على تحصيل العلم فى ميدان الطب مثل هذا القول الوجيز الجامع والشامل ، فقوله هذا – عليه السلام – يعنى أنه ما من الا وله دواء ، اى يمكن العثور على أدوية لكل الأمراض الموجودة الا الشيخوخة وذلك بعد توفيق الله وعنايته .

ورسول الله بهذا الحديث وبأحاديث أخرى مشابهة يدعو أهل العلم جميعا ، وجميع من آتاهم الله موهبة وفضلا ، وجميع الباحثين الى تكثيف جهودهم وبذل مساعيهم لاكتشاف الأدوية ووسائل العلاج .

وهناك أحاديث كثيرة مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فى علم الصحة ، ولا سيما فيما يتعلق بالطب الوقائى الذى يشكل جزءا مهما من علم الطب . وهذا شئ طبيعى ، ذلك لأن علاج المرض ليس هو المهم ، بل الأهم منه هو حفظ صحة الانسان ، وحمايته من الوقوع فى المرض .

وصلى الله على محمد .. نبى الانسانية والعدل والرحمة.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

أضف إلى: Add to Facebook Googlize this post! Add to Yahoo MyWeb Add to Windows Live Add to Twitter Post to Myspace Add to your del.icio.us Digg this story Post to Myspace technorati Reddit this Add to Furl

التعليقات (0 مرسل):

أضف تعليقك comment

رجاء أدخل الكود الذي تراه في الصورة:

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0
Powered by Vivvo CMS v4.1.1