تربية المؤمن على تحري الصدق واجتناب الكذب.

حجم الخط: Decrease font Enlarge font

تربية المؤمن على تحري الصدق واجتناب الكذب.

 

الدكتور/ عبد الغني بركة.
أستاذ بجامعة الأزهر.

روى الإمام مسلم رضي الله عنه في صحيحه، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: .
عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق، حتى يُكتب عند الله صديقا. وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يُكتب عند الله كذابا. صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم.
الحديث الشريف من جوامع كلمه صلي الله عليه وسلم، فبالإضافة إلى ما فيه من حث على الصدق وبيان فضله، وتنفير من الكذب وبيان سوء عاقبته، نجد في اختيار ألفاظ الحديث وصياغته، ما يثير اهتمام المتلقي بما يلقى إليه، وما يؤكد المعاني ويرسخها في وجدانه، إضافة إلى ما تحمله ألفاظه القليلة من معان تكاد تستوعب جوانب الخير كلها.
وأول ما نلاحظه في صياغة الحديث، ذلك التقابل الكامل بين شطره الأول الذي يرغب في الصدق وشطره الثاني الذي يرهب من الكذب، فكل جزء في شطره الأول يقابله ما يناقضه ويضاده في شطره الثاني، فالحث والترغيب بقوله عليه الصلاة و السلام ((عليكم بالصدق)) يقابله الزجر والتنفير بقوله ((إياكم والكذب)) وقوله عليه الصلاة و السلام ((فإن الصدق يهدي إلى البر)) يقابله ((فإن الكذب يهدي إلى الفجور)) وقوله عليه الصلاة و السلام ((وإن البر يهدي إلى الجنة)) يقابله ((وإن الفجور يهدي إلى النار)) وقوله ((وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا)) يقابله ((وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)) ولا شك أن أسلوب المقابلة هذا له أثره البلاغي الذي يتطلبه المقام هنا، فالغرض من الحديث الشريف الدعوة إلى التمسك بفضيلة الصدق والحرص عليها، ولا يتم هذا على أكمل وجه إلا ببيان المنزلة العالية التي ينالها الصادقون، والهوة السحيقة التي يتردى فيها الكاذبون، لأن هذا الأسلوب يضع المتلقي للحديث أمام مسئوليته، فعليه أن يختار الطريق الذي يسلكه، وأن يتحمل عاقبة اختياره وما من عاقل يرضى لنفسه عاقبة الكاذبين، بعد أن تبين الرشد من الغي. .
أما ما في ألفاظ الحديث وصيغه من سمات بلاغية، فأول ذلك نراه في قوله عليه الصلاة و السلام: عليكم بالصدق بمعنى الزموه واجعلوا منه قريناً لكم في كل قول وعمل، ولا يخفى ما في هذا الاستفتاح من تنبيه إلى أهمية ما سيلقى عليهم من أحكام، كي يتهيأ والاستقبال، وتعيه عقولهم وقلوبهم، ثم التعبير بلفظ ((الصدق)) دون تحديد لمجاله الذي يتحقق فيه، وهذا يفتح الباب واسعاً لكل قول وعمل في حياة المسلم، وقد ذكر العلماء في ذلك أن الصدق كما يكون في القول بمعنى أن يكون الكلام مطابقاً للواقع المخبر به، ومطابقاً لما في نفس المتكلم، يكون أيضاً في النية بمعنى الإخلاص، ويكون الصدق أيضاً في العزم على خير نواه، معنى أنه إذا ولى شيئاً مثلاً لا يظلم، ويكون الصدق أيضاً في الأعمال بمعنى استواء سريرته وعلانيته، إلى غير ذلك مما يحقق به المسلم معنى الصدق مع نفسه ومع الآخرين، ثم يأتي قوله عليه الصلاة و السلام: ((فان الصدق يهدي إلى البر)) فيبدأ بأن المؤكدة تنبيهاً على أهمية ما بعدها، ونفياً لأي شك حوله، والمراد بقوله ((يهدي)) يدل ويرشد، أما لفظ ((البر)) فهو لفظ جامع لكل معاني الخير وأصله التوسع في فعل الخيرات، ويطلق على العمل الخالص الدائم، ويلاحظ ما في التعبير من إسناد الهداية إلى الصدق، والصدق لا يهدي، بل القادر على الهداية هو الله تعالى ولكن لما كان الصدق سبباً في الهداية جعل كأنه هو الذي يهدي، وفي ذلك إبراز لدور السبب، مبالغة في إعلاء مكانة الصدق وحثاً على التخلق به، أما قوله عليه السلام: ((وإن البر يهدي إلى الجنة)) فهو على نسق الجملة السابقة، بدأت بإن المؤكدة لما بعدها، ثم اسندت فيها الهداية إلى البر، إسناداً للفعل إلى سببه إبرازاً لدوره في الهداية، وأنها نتيجة له، ثم يأتي لفظ ((الجنة)) لتكون المستقر الكريم لمن يتخلق بهذا الخلق الكريم، ولا يخفى ما يوحي به من لفظ الجنة من رؤى تهفو إليها أفئدة المؤمنين، وليس بعد ذلك ترغيب في الصدق كخلق يأخذ بيد الصادقين الأبرار إلى مستقر الرحمة، ودار الكرامة تصديقاً لقول الله عز وجل: .
"
إن الأبرار لفي نعيم " ( الانفطار: 13) .
ونواصل النظر في هذا الحديث الشريف نقرأ قوله عليه الصلاة و السلام ((وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً)) المعنى: إن الرجل ما يزال يصدق، ويتكرر منه الصدق، حتى يستحق أن يوصف بأنه صديق، يؤكد هذا قوله عليه الصلاة و السلام ((ويتحرى الصدق)) أي يقصده ويستمسك به، وفي هذا إشارة إلى أن من توقى الكذب، وقصد قصيداً صحيحاً إلى الصدق، صار الصدق طبيعة فيه، واستحق أن يوصف به ولفظ – صديق – من أبنية المبالغة، أي أنه بلغ في الصدق إلى غايته ونهايته، ولا يخفى ما في لفظ ((صديق)) من ترغيب، إذ مدح الله به الأنبياء، يقول تعالى: .
"
واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقاً نبياً" ( مريم: 41) .
كما أخبرنا القرآن الكريم أن الصديقين في الآخرة، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين بقوله سبحانه: .
"
ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما" (النساء: 69-70) .
ومن الذي لا تهفو روحه إلى هذا الفضل الكبير والمنزلة الرفيعة عندالله.
وننتقل إلى الشطر الثاني من الحديث الشريف ، يقول عليه الصلاة و السلام (وإياكم والكذب) إنه تحذير عام من نبي رحيم بأمته، يأمرهم أن يحذروا الكذب وأن يجتنبوه، لفتاً لأنظارهم إلى خطره، واجتناباً لما يجرهم إليه من مخاطر، يبينها الرسول الكريم بقوله: ((فإن الكذب يهدي إلى الفجور)) والفجور: اسم جامع للشر، وهو من الفجر وأصله الشق، وهو لفظ مصور لمعناه، وكأن الفاجر يشق لباس الدين عن نفسه، فتبدو سوءاته، والفجور يطلق على الميل إلى الفساد، والإسراع إلى المعاصي، ولا يخفى ما في هذا من تنفير وتحذير من الكذب، ويلاحظ هنا أيضاً إسناد الدلالة على الفجور إلى الكذب، لأنه سببه، إبرازاً لدور الكذب وتسببه في الفجور، كما يلاحظ أيضاً تأكيد الجملة بأن رفعاً لأي شك في تحقق معناها، ثم يقول عليه الصلاة و السلام ((وإن الفجور يهدي إلى النار)) ويلاحظ ما في هذه الجملة أيضاً من تأكيد ومن إسناد الفعل يهدي إلى النار، إلى سببه إشارة إلى أنه نتيجة له، كما لا يخفى ما يوحي به لفظ – النار - من شد عذاب، وسوء مصير أعد للفجار، مصداقاً لقوله سبحانه وتعالى: " وإن الفجار لفي جحيم". (الانفطار: 14) .
وفي ختام الحديث الشريف يقول عليه الصلاة و السلام: ((وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا)) المعنى: أن الرجل يكذب ويتكرر منه الكذب، ويتحراه في أقواله وأفعاله، ويحرص عليه، ولفظ ((كذاب)) من أبنية المبالغة أيضاً كالصديق والتنفير فيه للتعظيم أي أنه قد بلغ في الكذب إلى غايته ونهايته، حتى دخل في زمرة الكذابين واستحق عقابهم، والمراد ((يكتب عند الله كذاباً)) أي يحكم عليه بذلك، ويظهره الله للمخلوقين، ويلقيه في قلوب الناس ليتحاشوه بغضا له، فيجمع عليه عقوبة الدنيا والآخرة. .
.
وفي الحديث الشريف حث على تحري الصدق والاستمساك به، وتحذير من الكذب والتساهل فيه، فإنه إذا تساهل فيه وكثر منه عرف به، كما يشير الحديث الشريف إلى مغالبة هوى النفس وحملها على ما يرضي الله عز وجل، جعلنا من الصادقين في القول والعمل إنه نعم المجيب. .


 
كتاب: لمحات من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وبلاغته .

 

أضف إلى: Add to Facebook Googlize this post! Add to Yahoo MyWeb Add to Windows Live Add to Twitter Post to Myspace Add to your del.icio.us Digg this story Post to Myspace technorati Reddit this Add to Furl

Subscribe to comments feed التعليقات (0 مرسل)

المجموع: | عرض:

أضف تعليقك comment

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نص عادي
الكلمات الدليلية
لا يوجد كلمات دليلية لهذا الموضوع
قيم هذا المقال
0