قالتعالى : "قل أعوذ برب الفلق. من شر .. " سورة الفلق .
وعن أبيهريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إياكم والحسد فإن الحسديأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب " .
وعن مولى الزبير ، عنالزبير بن العوام رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "دب فيكم داءالأمم من قبلكم : الحسد والبغضاء ، والبغضة هي الحالقة، لا أقول حالقة الشعر، ولكنحالقة الدين ، والذي نفس محمد بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتىتحابوا " رواه الترمذي. وروى الإمام حجة الإسلام الغزالي عن بعض السلف : "أنأول خطيئة للبشر كانت الحسد، حسد إبليس آدم عليه السلام على مرتبته فأبى أن يسجد لهفحمله الحسد على معصية الله ، وإياك والحسد فإن ابن آدم قتل أخاه حين حسده " .
والحسد هو كراهة النعمة وتمني زوالها عن صاحبها وهو حرام بكل حال . وأما الغبطة فهو أن ترى النعمة على أخيك فلا تكره وجودها ولا تحب زوالها عنه ، بلتتمنى من الله أن يرزقك مثلها وليس في ذلك ما يأثم عليه .
ويرى أبوبكر الرازي " أن الحسد يتولد من اجتماع البخل والشره في النفس، وهو شر من البخل،فالبخيل لا يحب أن يمنح أحداً شيئاً مما يملكه، أما الحسود فإنه يتمنى ألا ينال أحدخيراً أصلاً، ولو كان الخير ليس مما يملكه هو والحسد داء من أدواء النفس عظيم الأذىلها .
ولعظم ضرر الحسد على الإنسان وعلى المجتمع ، فقد نفر القرآنالكريم منه وأمر بالاستعاذة من شر الحاسد كما أمر بالاستعاذة من نفث الشيطان فالحسدمفسد للطاعات ، باعث على الخطايا . وهو نار تضطرم في صدر الحسود، فما تراه إلا كاسفالوجه، قلق الخواطر، غضبان على القدر قد عادى حكمة الله . قال تعالى : "أم يحسدونالناس على ما آتاهم الله من فضله " .
ويرى الإمام أبو بكر الرازي أنالحسد يضر بالنفس لأنه يشغلها عن التصرف المفيد لها وللبد، وذلك يسبب طول الحزنوالتفكر ، ثم إنه يضر بالجسد لما يعرض للمحسود من طول السهر وسوء الإغتذاء وينشأ عنذلك رداءة من اللون وسوء السحنة وفساد المزاج .
وينبه د. نضال عيسىجميع المربين والوالدين إلى أن مرد الحسد قد يكون لسوء التربية كقدوم طفل جديد تهتمبه الأسرة وتنسى الأولاد فيبدأ الحسد بالظهور لديهم أو أن يقارن المربي بشكل سيءبين الأولاد فيصف أحدهم بالذكاء والآخر بالغباء بطريقة جارحة، أو عندما يربى طفلفقير في بيئة غنية مترفة . لذا وجب على المربين وعلى كل من الأبوين إشعار أطفالهمجميعاً بالرعاية والحب وبدون تفريق بالأعطيات بينهم وغير ذلك .
ويلخص د. حامد الغوابي الآثار السيئة للحسد على البدن وصحته ويبينأن الحسد يؤدي عند الحاسد إلى ظهور انفعالات نفسية عصبية كما تضطرب عنده الغددالصماء ، فيعتل جسمه ويذوب .
فالحاسد دوماً في ضيق وقلق ، وهذايصحبه الأرق ، ومع استمرار الأرق يحس بالإعياء والتعب ويفقد شهيته للطعام ويتناقصوزنه ثم تظهر عنده أعراض عصبية مزعجة ، كالصداع والطنين في الأذنين تمنع عنه الراحةوالهدوء ، وقد تظهر آلام خناقية في صدره ، وكلما احتدمت نزوات حسده زاد الألموتكررت نوبة مما يعرضه للإصابة بالذبحة الصدرية .
والحسد يهيءللإصابة بقرحة المعدة التي ثبت أنها تنشأ من الانفعالات أكثر مما تنشأ عن خطأ فيالتغذية ، وقد يؤدي لارتفاع الضغط الدموي ، والذي يتناسب ارتفاعه مع زيادةالانفعالات ويعظم خطره . ونحن نعلم أن أطباء القلب يوصون المرضى بالهدوء والراحةوترك الهواجس ، ونبذ انشغال الفكر بالغير والبعد ما أمكن عن الانفعالات النفسية .
وقد يسبب الحسد مرض السوداء " المانخوليا " عند الحاسد وحبه للوحدةوالعزلة غير ما يؤدي إليه من ارتباك العقل وعدم القدرة على التركيز ، وكم سبب الحسدعند صاحبه من عقد نفسية وتركت عنده أمراضاً لا يمحى أثرها. وأخيراً فإنك لن ترىحاسداً حقوداً إلا وقد رسم في وجهه تجاعيد الشيخوخة ولفحة الشيب ـ المبكران ـ وإنكان في عنفوان شبابه .
والملاحظات التي أوردت حول السيء والملكأحياناً للحسد على صاحبه تؤكد الإعجاز الطبي الرائع في التوجيهات النبوية للمسلمينباجتناب هذه الآفة الخبيثة ومن أجل نظافة المجتمع المسلم ورص صفوفه أيضاً .
ولقد استنبط العلماء المسلمون طرقاً علاجية ناجعة لمن أراد التخلصمن مرضه ، من ذلك ما فصله حجة الإسلام الإمام الغزالي في إحيائه قائلاً :"واعلم أنالحسد من الأمراض العظيمة للقلوب ولا تداوى أمراض القلوب إلا بالعلم والعمل : والعلم النافع لمرضى الحسد هو أن تعرف أن الحسد ضرر عليك في الدنيا والدين ، وأنهلا ضرر فيه على المحسود بل ينتفع به فيهما .
ومهما عرفت عن بصيرةفارقت الحسد لا محالة .. أما كونه ضرر عليك في الدين فهو أنك بالحسد سخطت قضاء اللهتعالى وعدله الذي أقامه في ملكه وهذه جناية في التوحيد … وأما كونه ضرر عليك فيالدنيا فهو أنك تتألم بحسدك أو تتعذب به ، ولا تزال في كمد وغم بكل نعمة تراها علىغيرك .. وأما أنه لا ضرر على المحسود في دينه ودنياه فلأن النعمة لا تزول بحسدك ،بل قدر الله تعالى من نعمة فلا بد أن يدوم إلى أجل قدره الله فلا حيلة في دفعه ،ولكل أجل كتاب .. وأما أن المحسود ينتفع به في الدين فهو أنه مظلوم من جهتك لا سيماإذا أخرجك الحسد إلى الغيبة والقدح فيه، فهذه هدايا تهديها إليه من حسناتك حيث تأتيمفلساً يوم القيامة .
وأما العمل النافع فيه فهو أن يحكم الحسد،فكل ما يتقاضاه الحسد من قول وفعل، فينبغي أن يكلف نفسه نقضيه، فإن بعثة الحسد علىالقدح في محسوده كلف لسانه المدح له ، وإن حمله على التكبر ألزم نفسه التواضع له،وهكذا حتى تتولد الموافقة التي تقطع مادة الحسد " .
والحقيقةأنقول الإمام الغزالي رحمه الله في أنه لا ضرر على المحسود من حاسده، ليس صحيحاً فيكل الأحوال .
وهذا ما تشير إليه الآية الكريمة من سورة الفلق عندماطلب المولى سبحانه وتعالى من المؤمنين أن يستعيذوا من شر الحاسد إذا حسد ، وننقلهنا ما يقوله الإمام القرطبي ما نصه :" قال العلماء أن الحسد لا يضر إلا إذا ظهرحسده بفعل أو قول ، وذلك بأن يحمله الحسد على إيقاع الشر بالمحسود فيتبع مساوئهويطلب عثراته وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : " إذا ظننت فلا تحققوإذا حسدت فلا تبغ وإذا تطيرت فامض ".
وعلق د. محمد خالد سلطان علىالآية بقوله :" بين القرآن لعلماء النفس نقطة ضرورة وجود الإرادة في نية السوء كيتحدث الإساءة " .
ويشرح ذلك فيقول :" إن الحسد المادي فيه نوعان منالحركة : إرادية وغير إرادية ، ولا يعمل العضو إلا إذا كان فيه حركة ولا ينتج الجسدإلا إذا تجلت فيه الحركة سواء منها الإرادية منها وغير الإرادية . فالغيرة فيالإنسان هي حركة روحية نفسية غير إرادية ، لكنها قد تؤدي إلى الحسد الذي هو حركةإرادية روحية ، لذلك نرى أن الحاسد لا يؤثر في محسوده إلا إذا أراد حسده ، وهذا مايشير إليه قوله تعالى : " ومن شر حاسد إذا حسد " فإذا لم يرد الحاسد أن يحسد فلنيصيب محسوده أي أذى " .
المصدر : بحث للدكتور محمد نزار الدقراختصاصي بالأمراض الجلدية والتناسلية والعلاج التجميلي دكتوره " فلسفة " في العلومالطبية سوريا ـ
أضف تعليقك