بديهي أن الخطابة من الركائز الأساسية والوسائل المهمة فيالدعوة إلى الله تعالى؛ فهي اللقاء الأسبوعي الذي يحتشد فيه المسلمون في مسجد جامعليسمعوا داعي الله وهو يذكرهم به ويعلمهم دينه.
فالخطابة في الإسلامتمثل مظهر الحياة الذي يجعل القيم النبيلة والمثل الرفيعة والأخلاق الفاضلة تصل منقلب إلى قلب، وتثب من فكر إلى فكر؛ فتنعش الروح وتجدد الإيمان، فلا غرو أن تكونبذلك من شعائر الإسلام.
ومن المؤسف حقًّا -في عصرنا الحاضر- أن المنابرأصبحت تحمل فوقها ساعة الجمعة أشباه الخطباء الذين فرَّغوا الخطابة من محتواها،وأخرجوها من إطارها الصحيح، وأبعدوها عن أداء أماناتها وإبلاغ رسالتها.
وإني لأعرف أناسًا من المصلين يتأخرون عن الخطبة -بصرف النظر عن الحكمالشرعي لذلك- ويحضرون قبيل إقامة الصلاة حتى يعفوا آذانهم من سماع هذا العبث الذييخدش روعة الجمعة، ويُذهب جلال اليوم وبهاءه. وهذا الحديث ليس موجهًا لهؤلاءالذين اتخذوا من الخطابة مهنة يتكسبون من ورائها، إنما هو موجه إلى دعاة على درجةمعينة من الثقافة، فاقهين دور الخطابة، مدركين أثرها وتأثيرها في المجتمع.
أما غيرهم فساحة المسجد أولى بهم من مكان رسول الله صلى الله عليهوسلم.
نموذج حري بأن يُحتذَى
بين أيدينا حديثٌ من جوامعالكلم، وخطبة تعتبر وثيقة من وثائق الإسلام، ومثلا أعلى لكل داعية، ونموذجًا للخطبةالناجحة يحتذيه الخطيب الناجح.
إنها خطبة حجة الوداع التي ألقاها أفصحالعرب طرًّا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم في جموع بلغت الآلاف.
فبعد أن حمد الله وأثنى عليه قال: "أيها الناس، اسمعوا قولي، فإن لاأدري لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبدًا. أيها الناس، إن دماءكموأموالكم عليكم حرامٌ إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكمستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، وقد بلَّغت، فمن كانت عنده أمانة فلْيؤدِّها إلىمن ائتمنه عليها، وإن كل ربا موضوع، ولكن لكم رءوس أموالكم لا تَظلمون ولا تُظلمون. قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا عباس بن عبد المطلب موضوعٌ كله، وإن كل دمٍ كان فيالجاهلية موضوع، وإن أول دمائكم أضع دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكانمسترضَعًا في بني ليث فقتلته هزيل، فهو أول ما أبدأ به من دماء الجاهلية.
أيها الناس، إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدًا، ولكنه إنيُطعْ فيما سوى ذلك فقد رضي به مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم.
أيها الناس، "إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونهعامًا ويحرمونه عامًا ليواطئوا عدة ما حرم الله فيُحلوا ما حرم الله" (التوبة: 37) ويحرموا ما أحل الله، وإن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض،وإن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم: ثلاثة متوالية، ورجب مضر،الذي بين جمادى وشعبان.
أيها الناس، إن لكم على نسائكم حقًّا، ولهنعليكم حقًّا، لكم عليهن ألا يُوطئن فرُشكم أحدًا تكرهونه، وعليهن ألا يأتين بفاحشةمبينة، فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم أن تهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضربًا غيرمبرِّح، فإن انتهين فلهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف، واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنهنعندكم عوانٍ، لا يملكن لأنفسهن شيئًا، وإنكم إنما أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتمفروجهن بكلمة الله، فاعقلوا أيها الناس قولي، فإني قد بلَّغت، وقد تركت فيكم ما إناعتصمتم به فلن تضلوا بعدي أبدًا، أمرًا بينًا: كتاب الله وسنة نبيه.
أيها الناس، اسمعوا قولي واعقلوه، تعلمُنَّ أن كل مسلم أخ للمسلم، وأنالمسلمين إخوة، فلا يحل لامرئ من أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس منه، فلا تظلمُنأنفسكم، اللهم هل بلغت؟
فذُكر لي أن الناس قالوا: اللهم نعم، فقال رسولالله صلى الله عليه وسلم: اللهم اشهد.
قال ابن إسحاق: .... كان الرجلالذي يصرخ في الناس بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يعرفه ربيعة بن أمية بنخلف..." انتهى ما أردته.
وفي الخطبة من الدروس والعبر ما لو أدركهالدعاة والخطباء لأدت الخطابة رسالتها أحسن ما يكون الأداء.. ومن أهم هذا الدروس.
أضف تعليقك